عبد الرحمن السهيلي
31
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
وقوله : ألم تعلموا ما كان في حرب داحسٍ . يذكر معنى داحس إذا ذكره ابن إسحاق بعد هذه القصيدة إن شاء الله تعالى . وقوله فيها : ولي امرئ فاختار ديناً فإنما . أي : هو ولي امرئ اختار ديناً ، والفاء زائدة على أصل أبي الحسن ، قال في قولهم : زيداً فاضرب : الفاء معلقة أي : زائدة ، ومن لا يقول بهذا القول يجعل الفاء عاطفة على فعل مضمر ، كأنه قال : ولي امرئ تدين ، فاختار ديناً ، أو نحو هذا ، وقد تقدم شرح باقي القصيدة في آخر قصة الحبشة . وقال فيها : كريم المضارب ، وفي حاشية كتاب الشيخ : لعله الضرائب ، يريد : جمع ضريبة ، ولا يبعد أيضاً أن يكون قال : المضارب . يريد أن مضارب سيوفه غير مذمومة ، ولا راجعة عليه إلا بالثناء والحمد والوصف بالمكارم . وفيها قوله : وماء هريق في الضلال . ويروى : في الصلال جمع صلة ، وهي الأرض التي لا تمسك الماء ، أي رب ماء هريق في الضلال من أجل السراب ، لأنه لا يهريق ماءً من أجل السراب إلا ضال غير مميز بمواضع الماء ، وأذاعت به ، أي : بددته ، فلم ينتفع به ، وهذا مثل ضربه للنظر في عواقب الأمور ، ويروى : وما أهريق في أمر ، ومعناه : والذي أهريق في أمر الضلال ، فوصل ألف القطع ضرورة ، ويقال : أريق الماء ، وأهريق بالجمع بين الهمزة والهاء ، وهي أقلها ، ولتعليلها موضع غير هذا . وقوله فيها : بين ساف وحاصب : السافي : الذي يرمي بالتراب ، والحاصب الذي يقذف بالحصباء . وفيها ذكر الجباجب ، وهي منازل منى . كذا قال ابن إسحاق ، وقال البرقي : هي حفر بمنى ، يجمع فيها دم البدن ، والهدايا ، والعرب تعظمها وتفخر بها ، وقيل : الجباجب : الكروش . يقال للكرش : جبجبة بفتح الجيم ، والذي تقدم واحده : جبجبة بالضم . حرب داحس والغبراء : وذكر حديث حرب داحس مختصراً ، وداحس : اسم فرس كان لقيس بن أبي زهير ، ومعنى داحس : مدحوس كما قيل : ماء دافق ، أي : مدفوق ، والدحس : إدخال اليد بقوة في ضيق ، كما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بغلام يسلخ شاة ، فأمره أن ينتحي ليريه ، ثم دحس عليه السلام بيده بين الجلد واللحم ، حتى بلغ الإبط ثم صلى ، ولم يتوضأ . فداحس سمي بهذا الاسم ؛ لأن أمه كانت لرجل من بني تميم ، ثم من بني يربوع اسمه : قرواش بن عوف ، وكان اسم الفرس : جلوى ، وكان ذو العقال فرساً عتيقاً لحوط بن جابر ، فخرجت به فتاتان له ، لتسقياه ، فبصر بجلوى ، فأدلى حين رآها ، فضحك غلمة كانوا هنالك ، فاستحيت الفتاتان ، ونكستا رأسيهما ، فأفلت ذو العقال حتى نزا على جلوى ، وقيل ذلك لحوط فأقبل مغضباً ، وهو يسعى حتى ضرب بيده في التراب ، ثم دحسها في رحم الفرس ، فسطا عليها ، فأخرج ماء الفحل منها ،